ابو القاسم عبد الكريم القشيري
219
الرسالة القشيرية
وقال حاتم الأصم : لا تغتر بموضع صالح ، فلامكان أصلح من الجنة ، فلقى آدم ، عليه السلام ، فيها ما لقى ! ! . ولا تغتر بكثرة العبادة ؛ فان إبليس بعد طول تعبده لقى ما لقى ! ! ولا تغتر بكثرة العلم ؛ فان « بلعام » « 1 » كان يحسن اسم اللّه الأعظم فانظر ماذا لقى ! ! ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر قدرا من المصطفى ، صلى اللّه عليه وسلم ، ولم ينتفع بلقائه أقاربه وأعداؤه . وخرج ابن المبارك يوما على أصحابه فقال : إني قد اجترأت البارحة على اللّه عز وجل : سألته الجنة . وقيل : خرج عيسى عليه السلام ، ومعه صالح من صالحي بني إسرائيل فتبعهما رجل خاطئ مشهور بالفسق فيهم ، فقعد منتبذا عنهما ، منكسرا ، فدعا اللّه سبحانه وقال : اللهم اغفر لي . ودعا هذا الصالح وقال : اللهم لا تجمع غدا بيني وبين ذلك العاصي . . فأوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه السلام : أنى قد استجبت دعاءهما جميعا ، رددت ذلك الصالح ، وغفرت لذلك المجرم . وقال ذو النون المصري : قلت لسليم . لم سميت مجنونا ؟ . قال ، لما طال حبسى عنه صرت مجنونا لخوف فراقه في الآخرة . وفي معناه أنشدوا : لو أن مابى على صخر لأنحله * فكيف يحمله خلق من الطين ؟ وقال بعضهم ، ما رأيت رجلا أعظم رجاء لهذه الأمّة ، ولا أشد خوفا على نفسه ، من « ابن سيرين » . وقيل ، مرض سفيان الثوري ، فعرض دليله « 2 » على الطبيب ، فقال هذا رجل قطع الخوف كبده . ثم جاء وجس عرقه « 3 » ، ثم قال ، ما علمت أن في اسيقية مثله . وسئل الشبلي ، لم تصفر الشمس عند الغروب ؟ .
--> ( 1 ) ويقال له : « بلعم بن باعورا » من علماء بني إسرائيل . ( 2 ) أي ما يستدل به على مرضه . ( 3 ) نبضه .